الشيخ عبد الغني النابلسي
100
كتاب الوجود
هو معارف وأسرار إلهية ، قال تعالى : وَما أَرْسَلْنا مِنْ رَسُولٍ إِلَّا بِلِسانِ قَوْمِهِ لِيُبَيِّنَ لَهُمْ ( إبراهيم : 4 ) ، وإلا فإن عيسى عليه السّلام عارف بالتجليات الإلهية على كل حال ، واللّه الموفق لا سواه . وصل : اعلم أن من جملة الافتراءات الواضحة البطلان أيضا من أهل الظاهر على العارفين باللّه تعالى أنهم يقولون في قول العارفين بأن الوجود الذي به كل شيء موجود هو اللّه تعالى قول بحلول اللّه تعالى في الأشياء واتحاده بها ، ويشنعون عليهم بسبب ذلك « 1 » . وهو من شدة جهلهم بمعانى الكلام ، فإن اللّه تعالى إذا كان عند العارفين هو الوجود الحق الذي به كل شيء موجود ؛ أي وقع عليه الوجود بحكم النظر العقلي كما ذكرنا ، لم يكن الشيء من الأشياء وجود غيره سبحانه ، ولا به أيضا في نفس الأمر ، مع قطع النظر عن إدراك العقل ، وتكون الأشياء قائمة في إمكانها بالوجود والقديم الحق ، وشرط الحلول « 2 » أن يكون وجودان يحل أحدهما في الآخر ، وهنا ليس وجودان ، بل هو وجود واحد ، وتقادير عدمية صادرة من هذا الوجود الواحد ، تسمى تلك التقادير مخلوقات ، وتسمى حوداث ، وتسمى بأسماء كثيرة بحسب أجناسها وأنواعها وأعيانها وأشخاصها .
--> ( 1 ) العارف الحق هو من يعبد اللّه في كل هذه الصور ، وهو من يسع صدره لكل مظاهر العبادة ؛ لأن عبادته لأي موجود من الموجودات ، وفي أي مكان من الأمكنة ، وعلى أية صورة من الصور إنما هي في الحقيقة عبادة للّه وحده ؛ ولهذا يصرح ابن عربى بقوله : فإن العارف من يرى الحق في كل شيء ، بل يراه عين كل شيء . ويقول : العارف من رأى كل معبود مجل للحق يعبد فيه ؛ ولذلك سموه كلهم إلها مع اسمه الخاص بحجر أو شجر أو حيوان أو إنسان أو كوكب أو ملك . [ فصل حكمة إمامية في كلمة هارونية ( 192 - 195 ) ] . ( 2 ) زعمت فرقة من المتصوفة أن الحق اصطفى أجساما حل فيها بمعانى الربوبية وأزال عنها معاني البشرية ، فمنهم من قال بالحلول النوراني ، ومنهم من قال بالحلول على الدوام ، ومنهم من قال بالحلول وقتا دون وقت ، وقد غلط هؤلاء ؛ حيث إن الأجسام التي اصطفاها اللّه تعالى هي أجسام أوليائه وأصفيائه ، اصطفاها بطاعته وخدمته ، وزينها بهدايته ، وبين فضلها على خلقه ، واللّه تعالى موصوف بما وصف به نفس ، ليس كمثله شيء . [ المعجم الصوفي ( 82 ) ] .